إظهار الرسائل ذات التسميات ايران و الشعوبية الفارسية. إظهار كافة الرسائل
إظهار الرسائل ذات التسميات ايران و الشعوبية الفارسية. إظهار كافة الرسائل
الباحث الإيراني ناصر بوربيرار في حديث لـ (الزمان) يقلب التاريخ الإيراني رأساً علي عقب ويتهم اليهود
ييُعد المفكر والباحث الفارسي الايراني ناصر بوربيرار استثناء في قاعدة المفكرين والباحثين الايرانيين حيث شذ عن الخطاب الفارسي المهيمن لمدة اكثر من قرن علي الساحة الفكرية والثقافية المعاصرة في ايران باطروحاته ونظرياته الجديدة حول تاريخ ايران। وقد عنون كتابه الاول بـ 12 قرنا من السكوت وهو يعني حكم الاخمينيين والاشكانيين والساسانيين الذي استمر 12 قرنا قبل الاسلام، حيث يصف هذه السلالات الثلاث بالغريبة عن محيطها الجغرافي وعن السكان الاصليين في نجد ايران حيث كانوا 15 شعبا ــ منهم العرب والعيلاميون- يعيشون حياة مسالمة وهم ذات حضارة عريقة حتي ان جاء اليهود، وفقا للتورات، بقورش الاخمني (القرن 7 ق। م) ونصبوه علي هذه الشعوب عنوة حيث دمر حضارتهم واستعبدهم وازالهم عن الوجود عن بكرة ابيهم। وهذا ما يستنتجه بوربيرار من لوحات ونقوش برسبوليس الصخرية।ويقول ناصر: لم يبق من هذه السلالات الثلاث التي حكمت بالقوة والسيف والاستبداد علي الشعوب القاطنة في نجد ايران، لم يبق منها اي اثر حضاري هام يذكر قياسا باليونانيين والرومان وحتي العرب الجاهليين। ما عدا انها كانت تتقن استخدام الرمح الفارسي لمحو الشعوب التي سبقتها في نجد ايران وفتح اراضي الغير واغراق الشعوب الاخري ومنهم اليونانيون والمصريون والهنود ببحور من الدم. وينتقد بوربيرار المؤرخين القوميين الفرس ــ التابعين للمؤرخين وعلماء الاثار الغربيين ومعظمهم من اليهود ــ بانهم يبدأون التاريخ الايراني بالسلالة الاخمينية فيما يقول ان هذه السلالة ومؤسسها قورش (سيروس) وداريوس هم من عملاء اليهود وفقا لما جاء في التورات وانهم جاءوا متأخرين قياسا لشعوب عاشت قبلهم بالاف السنين. وقد قام علماء الاثار والمستشرقون اليهود بتهويل منزلتهم وسمعتهم خلافا لحقيقتهم في التاريخ.ويشيد ناصر بوربيرار بحضارة بين النهرين ويعتبرها ام الحضارات في العالم ويتهم قورش الاخميني بتدمير هذه الحضارة وخاصة البابلية منها اثر تحريك اليهود. وقد واجه هذا الباحث والمفكر الفارسي الايراني وعلي الرغم من اقبال الناس علي كتابيه ــ 12 قرنا من الصمت و جسر علي الماضي ــ حيث تم طبعهما عدة مرات خلال بضعة أشهر، واجه مؤامرة صمت من قبل المفكرين القوميين الفرس في ايران. بل تلقي تهديدات مختلفة من القوميين الذين لا يستطيعون الرد عليه بالفكر والمنطق بل بالقوة والترهيب. وللتعرف علي آرائه وافكاره الجريئة اجرت (الزمان) الحوار التالي معه:
نبذة عن حياتك؟
ــ مواليد عام 1940، درست الابتدائية في مدرسة اسلامية اسمها مدرسة الجعفرية بطهران حيث تعلمت الكثير من اصول اللغتين العربية والفارسية في هذه المدرسة। وقد تزامنت دراستي في الثانوية بانقلاب الشاه علي الزعيم الوطني محمد مصدق عام 1953، ولاسباب سياسية وعائلية لم اتمكن من دخول الجامعة حيث اعتبر نفسي صاحب حظ لعدم دخولي الجامعة في ايران بسبب المستوي المتواضع للثقافة والدراسة انذاك وحاليا، كما ان الدخول للجامعة وعدم دخولها لم يغير شيئا من نظرة الانسان بصورة .
يبدو انك قبل الثورة كنت عضوا في حزب تودة الشيوعي؟
ــ بدأت نشاطي السياسي منذ عام 1961 باشكال مختلفة اهمها تعاوني مع هوشنج تيزابي (احد زعماء حزب تودة والذي اعدمه الشاه) الذي تعرفت عليه والحزب عام 1973। فقد كنا نصدر انذاك صحيفة الي الحزب بصورة سرية। وحزب تودة هو الوحيد الذي كان يمثل الفكر اليساري في ايران في تلك الفترة। لكن عقب قيام الثورة في عام 1979 وبعد احتكاكي مع كوادر وزعماء حزب تودة اتضح لي انهم مجموعة غير وطنية تحاول تطبيق واجبات دولية، فبناء عليه تركت الحزب عام 1980 وبدأت أنقدهم كما تعلم .
لماذا اعتقلت بعد الثورة؟
ــ للموضوع تفاصيل لكنني الخص واقول ان اعتقالي قد تم بفعل مؤامرة جماعة حزب تودة حيث كانوا يتصورون ان أمري سينتهي في السجن في الايام الاولي للاعتقال لكنني احبطت مخططاتهم بذكائي وتكتيكاتي الخاصة। وقد عانيت خلال فترة اعتقالي في السجن التي استمرت لأكثر من 5 سنوات (1982 ــ 1987) من هؤلاء ما عانيت ومنها محاولة طبيب القاووش واسمه فريبرز بقائي، اذ حاول القضاء علي حياتي بتزريق ابرة قاتلة، وللموضوع ملف موجود في سجن ايفين بطهران ।
أدلة علمية وتاريخية:
فقد تحدثت في كتابيك الاخيرين عن حضارة عظيمة في ايران وبين النهرين قبل سلالة الاخمينيين وتعتبر هؤلاء ــ أي الاخمينيين ــ قوما مهاجرين جاءوا من اسيا الوسطي والقوقاز الي نجد ايران حيث اصبح زعيمهم قورش قائدا للفرس بفعل الدعم اليهودي له، بل الاكثر من ذلك تقول ان السلالات الاخمينية والاشكانية والساسانية هم غرباء علي الايرانيين وتؤكد انهم لم يتمتعوا لا بثقافة ولا بفن ولا باقتصاد ولا بسياسة। كما تحدثت عن طبيعتهم العسكرية المحضة واستخدامهم لـ الرمح الفارسي للقضاء علي السكان الاصليين في نجد ايران والفتوحات الدموية في اراضي الغير. ما هي الادلة العلمية والتاريخية التي تقدمها لهذا الامر؟
ــ فأي ادلة وادوات او ما يصفونه باليقينيات التي يستخدمها المدعون بان قورش هو مؤسس حقوق الانسان في العالم لم استخدمها انا في مشروعي الجديد بالنسبة للتاريخ الايراني؟ فهذه كلها نظريات تطرح علي اساس الخلفيات الممكنة। وقد شرحت في الكتاب انه لا يوجد ــ لا من المنظور الجغرافي ولا التاريخي ــ قوم عرفوا في ما بعد بالاخمينيين حيث لا نجد منهم أي سابقة تاريخية لا في ايران ولا في بين النهرين، وهذه الحيرة تنتاب كافة المؤرخين ان نشوء قورش (كوروش بالفارسية) كان نشوءا مفاجئا وقد تم بين ليلة وضحاها। فالمصدر القديم الوحيد حول قورش الذي يذكر اسمه بصراحة هو التورات حيث نري في هذا الكتاب اولي سمات ظهور قورش وفي ما عدا ذلك لا توجد اية وثيقة حول هذا الشخص. كما لا توجد لدي الذين يدافعون عن اطروحة قورش المدافع عن حقوق الانسان أي وثيقة لكنهم يستندون الي التورات فقط. في الواقع هناك قراءتان للتورات في هذا المجال. فالتورات يعتبر قورش نبيا ويقول انه وقومه كانوا يقطنون الشمال (للبحر الاسود). فانا علي هذا الاساس توصلت الي نظرية تقول ان ظروف اليهود الاقتصادية والاجتماعية والسياسية عند ظهور قورش كانت بصورة يحتاج من خلالها اليهود الي منقذ في بين النهرين حيث قد دمر بخت النصر الحضارة اليهودية 20 عاما قبل ظهور قورش وقام بتهجيرهم الي ايران وافغانستان والصين وسبي معظمهم وساقهم مع ثرواتهم الي بابل. فاليهود كانوا يبحثون عن منقذ لهم ليدمر بلاد بابل وليحرر اسراهم وليدمر حضارة بين النهرين التي كانت دائما عامل ازعاج لليهود وليعيد الحياة لليهود في اورشليم. وهذا كله مذكور في التورات حيث يؤكد في الكتاب وبصراحة بانني انتقيت قورش من اجل اهدافنا ليدمر بابل، ويقول اننا جلبنا قورش من شمال البحر الاسود من منطقة اشكناز حيث كان له جيران هناك هم المنديون و الغوتيون . فالغوت هم اجداد الالمان والمنديون هم قوم يقطنون ما وراء جبال القوقاز حيث وثائقهم مطبوعة في كتبي. فنحن لا نري لا من قورش ولا من قبيلته الاخمينية قبل ان يصبح امبراطورا لم نر لهم حتي حدوة فرس في ايران حيث انني ادحض ما يقال عن احتلاله لمناطق الميديين والشوش وعيلام قبل ظهوره في بين النهرين. فلا يمكن لامبراطور مثل قورش ان يغزو بلاد الاسور وبابل دون اي سجل مادي او ذهني او عقلي في نجد ايران حيث لا نري لهؤلاء الاخمينيون قبل ان يصبح قورش ملكا، لا نري لهم لا آنية ولا قبر ولا شربة ولا مهد .
الاخمنيون:
فتحليلنا هذا لا يتطابق مع الخطاب الرسمي السائد، فعلينا ان نعرف من هم الاخمينيون؟ ومن اين جاءوا ومن هم الذين ساندوهم ليصبحوا أصحاب قوة يتمكنون من خلالها تدمير بابل؟ ويقول التورات بشكل جلي: انني أخطط لك يا بابل حيث تفاوضت مع ناس وعبئتهم وهم اناس برابرة جدا وسفاحون لايرحمون احدا ولا تخطئ سيوفهم ورماحهم، فينغصون عليك عاجلا وسيدمرون اسوارك ومزارعك ويقتلون شبابك حيث تنتهي بابل كبلاد عامرة والي الأبد। فهذه هي السمات الصحيحة لمتابعة امر قورش والاخمينيين في بين النهرين .
غياب حضاري :
ولاثبات غياب الحضارة في عهود الاخمينيين والاشكانيين والساسانيين (12 قرنا قبل الاسلام) فهل قارنتهم بالحضارات الاخري كاليونانية واليمنية والهندية؟ــ فقد قمت بمقارنة الحضارة السائدة في بين النهرين وايران قبل قورش حيث كانتا مركزين معروفين للفكر والفن في العالم। فاي شيء يعرفه البشر حاليا توجد اسسه في بين النهرين وايران القديمة، فالسومريون والاسوريون والعيلاميون والماديون والشعوب التي كانت تقطن جنوب بحر قزوين، كل هؤلاء ارسوا اسس الحضارة الانسانية। وفي بين النهرين تم اختراع اولي انظمة الري واولي الابجديات. كما صنع الناس في بين النهرين اولي المراكب البحرية واولي العربات وصاغوا اولي القوانين حيث نجد كتاب القانون منذ 5200 عام. فقد كانت هذه البلاد مقتدرة تعلمت منها الحضارة العالمية الكثير. فقد كان الوضع هكذا حتي ان نشأ قورش حيث نري عقب ذلك صمتا يسود بين النهرين وايران، اذ لا نري في هذه الفترة (تمتد لـ12 قرنا) وحتي نشوء الاسلام لا كتابا ولا انسانا حكيما علي مستوي عالمي. اي ان قورش يدمر الانجازات التي انجزها البشر خلال الوف السنين في بين النهرين وايران، ويغرس مكانها الرماح والسيوف، فقد يستولي الظلام بمجيء قورش علي ايران وبين النهرين.
وماذا تقول عن حكم بزرجمهر الحكيم وموسيقي باربد و نكيسا في عهد ملوك الساسانيين؟
ــ هذه كلها اساطير شاهنامة الفردوسي। فعندما نتحدث عن القضايا التاريخية عليك ان تقدم وثائق تاريخية بشأنها. فيوجد لدينا نحن في ايران عدد من النقوش علي الصخور من عهد الاخمينيين والساسانيين، فلا تتحدث هذه النقوش عن اية ثقافة او حضارة او فكر وحتي عن دين. لا يوجد في هذه النقوش اي كلام عن زرادشت وكتابه افيستا . فلم تتحدث هذه النقوش عن الشؤون الثقافية حيث كلها ومن دون استثناء اما تتحدث عن قضايا شخصية واما قضايا عسكرية. فاهم هذه النقوش الصخرية هي بيستون في مدينة كرمنشاه (غرب) وهي تشبه بيان عسكري صادر عن شخص انقلابي اسمه داريوس حيث يتحدث عن اعماله هنا وهناك. لهذا علي الذين يدعون بوجود زرادشت وكتابي افيستا و زند عليهم ان يقدموا وثائق تاريخية تثبت هذا الامر. فهؤلاء الذين يدعون بوجود اديان او حكمة في ايران القديمة أو أي شيء ثقافي او حضاري قبل نشوء الاسلام لم يقدموا اية وثيقة ولا اية نقوش صخرية ولا حتي مسكوكة نقدية حيث من دون هذه الوثائق يتحول الكلام في هذا المجال الي أساطير، اذ يمكن لنا ان نتقبلها كاساطير ليس الا.
فعليه انت تقول ان شخصية زرادشت وكتبه افيستا و غاتها هي مخلوقة اذهان الفرس بعد الاسلام؟
ــ نعم كل هذه الامور خلقت بعد الاسلام ومن اجل مواجهة العرب والاسلام، وقد اسهبت في كتابي الثالث في هذا المضمار(الكتاب قيد الطبع)।
الفئة الحاكمة:
وماذا تقول عن الـ كاست cast أي الفئة الحاكمة ابان حكم الساسانيين وخاصة في اواخره حيث يقع رجال الدين الزرادشت اي الموغ ضمن هذه الفئة، اذ كان يشكل هؤلاء والاكاسرة فئة حاكمة ممتازة كما يذكر لنا المؤرخون الرسميون؟
ــ فالمصدر الوحيد لهذا الكلام هو الشاهنامة التي تم انشادها في القرن الرابع الهجري। عليك ان تقدم وثائق تاريخية في هذا المجال. في الحقيقة ان المصدر الوحيد الذي يتحدث عن الدين في عهد الساسانيين هو نقوش صخرة كتير في كعبة زرادشت في محافظة فارس (جنوب). ويتكلم شخص في هذه النقوش بصراحة ويقدم نفسه بعنوان مؤبد المؤبدين أي كبير رجال الدين في المنطقة. فلا أنا ولا غيري كتبنا ذلك الكلام. يتحدث كبير رجال الدين الذي عاش نحو 200 وثمة عام قبل نشوء الاسلام، يتحدث عن دين مؤسس علي عبادة الماشية ويصفه بدين بهرام ولا يذكر دينا باسم دين زرادشت ولا كتابا باسم افيستا. فاذا كان في الحقيقة دين باسم دين الزرادشتية ونبي باسم زرادشت وكتاب باسم افيستا فأي مكان أهم من نقوش صخرة كتير التي كتبت من قبل اكبر رجال الدين انئذ.
فماذا كان دين الساسانيين؟
وانا لم اعود الي الوراء في التاريخ اكثر من عهدهم।ــ فقد كان الدين في ايران متعدد الالهات وارباب الانواع، اي انه دين بدوي (primitive)، فهو دين اقليمي وتقليدي وخاص للسكان المحليين. وقد كانت ثمة عبادات واديان سائدة انذاك لكن لم يكن أي منها عاما في كل البلاد أبدا. حتي اننا لم نر اثرا من دين واحد في بلاط الاكاسرة في ايران، فهناك نوع من الاشادة والمدح وليس العبادة، الاشادة بالماء والنار والماشية، فهذا هو الشيء الذي يشير اليه كتير .
ويقدس الزرادشتيون النار حتي يومنا هذا؟!
ــ لا بأس ان يقوم الزرادشتيون بكتابة شيء عن تاريخ دينهم حيث لم يفعلوا مثل هذا الشيء حتي الان. ولايجب ان يستند هذا التاريخ الي الاساطير والتخييل بل ينبغي ان يستند الي الامارات المادية والموضوعية والتاريخية التي يمكن الرجوع اليها. عندما لا تجد (قبل الاسلام) لا في بين النهرين ولا ايران ولا الشرق الاوسط ولا اي مكان اسما من الزرادشت فاين هذا الدين واين امتداداته؟ فلو كان هذا الدين سائدا قبل الاسلام كان ينبغي ان يذكر في مكان ما.
الفردوسي "مؤسس الشعوبية الفارسية"
أبو قاسم الفردوسي شاعر فارسي (935–1020 ميلادية ) . ولد في خراسان في قرية قرب مدينة طوس (في إيران اليوم). عاش في حكم السامانيين في في حكم القزنويين. اشتهر بتأليف كتاب "الشاهنامة"।
تفصيل فصول حياة الفردوسى :
و سمع فردوسي أن الدقيقى الشاعر كان ينظم الشاهنامه و قتل، و أن السلطان محمودا يود أن يُنظم الكتاب. و كان الفردوسى يتطلع إلى نظمه و يطمح إلى بلوغ أمله من بناء مجرى الماء. فصح عزمه حينئذ على الاضطلاع بالعبء الباهظ. و لم يكن لديه كتاب الملوك كله فاستشار صديقا له اسمه محمد لشكرى فرغبه و حرضه على ما تصدّى له، و أخبره أن لديه الكتاب كاملا. فذهب الشاعر يستمدّ الشيخ محمدا معشوقا أحد أولياء طوس فبشره بأنه سيبلغ ما يريد. و وثق الفردوسى ببشارة الشيخ.
و بدأ الفردوسى فنظم حرب فريدون و الضحاك فأولع الناس بنظمه. و كان أو منصور و إلى طوس من قبَل السلطان. فلما سمع شعر الفردوسى أمره بالمضى في علمه، و التزم له بحاجاته. ثم مات أبو منصور فوهن الفردوسى. و مرثية أبى منصور في مقدّمة الشاهنامه، بعد ذكر محمد لشكرى.
و أرسل السلطان بعد أبى منصور أرسلان خان واليا على طوس. و كان السلطان قد سمع بالفردوسى فأمر أرسلان خان بإشخاصه إلى غزنة، فاعتذر الفردوسى، و استعفى فلم يجده ذلك. ثم تذكر قصة الشيخ معشوق فعزم على الاجابة. حتى اذا بلغ هراة أتاه من غزنين خبر ساءه فتوقف هنالك ذلك أن بديع الدين صاحب ديوان الرسائل قال للعنصرى و الرودكى! أن قدوم الفردوسى و اضطلاعه بنظم الكتاب يغضّ من شعراء السلطان.
فأرسلا إلى الفردوسى أنه لا فائدة في قدومه، فان السلطان لا يذكره قط. فتردّد الفردوسى ثم خاف أن تكون خدعة فتلبث أياما في دار أبى بكر الوراق. ثم كان بين العنصرى و بديع الدين مشاقة فقال العنصرى لصاحبه: أنت رددت الفردوسى عن غزنة. و خشى بديع الدين مؤاخذة السلطان فأرسل إلى الفردوسى أن الرسالة الأولى كانت من حسد العنصرى و الرودكى. فان كان يستطيع أن يجاريهما في مضمار البلاغة فليحضر. فكتب في الرسالة أبياتا يعتد فيها بنفسه و يذكر أن العنصرى و الرودكى لا خطر لهما عنده. ثم سار من هراة إلى غزنة.
و أمر السلطان الميمندى الوزير أن يعطيه ألف مثقال ذهب كلما نظم ألف بيت. و كان الفردوسى لا يأخذ المال يبغى أن يدخره لبناء سدّ طوس، كما تقدّم .
أكمل الفردوسى الشاهنامه، و سلمها إلى أياز فعرضها على السلطان فاستحسنها و أمر أن يعطى حمل فيل ذهبا. فقال الميمندى للسلطان: إنى أخشى أن يقتله الفرح إذا منح هذا المقدار. و قال آخر: حرام أن يعطى شاعر فردستون ألف مثقال ذهب. حسبه مثلها فضة. فأمر السلطان أن يعطى 60 ألف مثقال فضة. و أرسلها الميمندى مع أياز. و كان الفردوسى إذ ذاك في الحمام.
فلما رأى الفضة قال: ما بهذا أمر السلطان. فأخبره أياز بما كان بين السلطان و الميمندى. فغضب الفردوسى و قسم المال أثلاثا بين أياز و الحمامىّ و فقاعىّ شرب من عنده شربة فُقّاع . ثم قال لأياز:أبلغ السلطان أنى ما تحملت هذا العناء للدرهم و الدينار و لكن للثناء الحسن و الذكر الخالد.
غضب السلطان على الميمندى و قال: عرّضت عِرضى لألسنة الشعراء. قال الميمندى: إن منحة السلطان تشريف كثرت أم قلت. و لو أرسلت اليه قبضة من تراب لوجب أن يقبلها و يكتحل بها. فثارت ثورة السلطان و قال: لأرمينّ هذا القرمطى تحت أرجل الفيلة غدا. و أجعله عظة لسيئ الأدب.
خاف الفردوسى و تحير فلما خرج السلطان في الصباح إلى المتوضأ ارتمى على قديمه و قال: إن الحاسدين قرفونى عند السلطان بما أنا منه براء. و اعتذر عما فعل بعطية السلطان و قال: هبنى واحدا من المجوس أو اليهود و النصارى الذين في مملكت.
رضي السلطان و عاد الفردوسى إلى مسكنه فأحرق بضعة آلاف بيت في مسوداته. ثم ذهب إلى المسجد الجامع و كتب على الجدار عند مجلس السلطان بيتين معنا هما أن حضرة السلطان كالبحر الذى لا قرار له. فان غصت فيه فلم أظفر باللآلئ فذاك ذنبى لا ذنب البحر.
و أعطى أيازا كتابا و أوصاه أن يسلمه للسلطان بعد 20 يوما ثم ودّع أيازا و خرج راجلا ليس معه من زاد السفر و متاعه شيء. و خاف الناس أن يزوّدوه للسفر و لكن أيازا أرسل وراءه الزاد خفية. و بعد عشرين يوما قدم أياز الكتاب للسلطان فاذا فيه الهجاء المشهور( فغضب السلطان و أمر بتعقبه، و جعل 50 ألف در هم لمن يأتيه به. و لكنه فات جهد الطالبين).
شاع أمر الفردوسى، و ألم الناس لما أصابه. و بلغ الخبر قهستان .و كان و اليها ناصر لك معجبا بالفردوسى فأرسل جماعة من خواصه فجاءوا به إلى قهستان فأكرمه. و كان الفردوسى يريد أن يهجو السلطان فاحتال ناصر حتى عدل به عن الهجاء و أعطاه مائة ألف در هم. و سكنت ثائرة الفردوسى فندم على الأبيات التى أنشأها.
ثم كتب ناصر إلى السلطان يعجب من حرمان شاعر كالفردوسى بعد تحمله هذا العناء. و يبين للسلطان فقر الشاعر و احتياجه.
بلغ كتاب ناصر يوم الجمعة. و كان السلطان لم يذهب إلى الجامع منذ خرج الفردوسى من غزنة الا ذلك اليوم فقرأ على جدار المسجد البيتين اللذين كتبهما الفردوسى ثم رجع إلى قصره فاذا كتاب ناصر. و اغتنم الفرصة جماعة من مقرّبى السلطان، و المعجبين بالشاعر فندم السلطان و غضب على من أشار عليه بالذى فعل، و عنف الميمندى و قتله.
هرب الفردوسى إلى مازندران،و أصلح الشاهنامه و ألحق بها مديح و إلى مازندران و كان إذ ذاك من أبناء شمس المعالى قابوس بن وشمكير بن منوچهر بن شمس المعالى و ابنه صهر السلطان، و هو ابن بنت مرزبان بن رستم بن شروين مؤلف مرزبان نامه. و كان من الشيعة فسرّ الوالى به و بالغ في إكرامه، و أراد أن يمسكه عنده لولا خوف السلطان محمود. فوصله و اعتذر اليه و أمره بالرحيل.
فتوجه تلقاء بغداد و بقى فيها أياما حتى لقيه بعض أصدقائه من التجار فوعده أن يبلغه حضرة الخليفة.ثم اتصل الفردوسى بالوزير و مدحه بقصيدة عربية بليغة فأعجب به الوزير و أنزله في داره و منّاه مكانة عند الخليفة. ثم رفع أمره إلى الخليفة فأمر باحضاره و إكرامه فنظم في مدحه ألف بيت. فلما أقام ببغداد و علم أن الخليفة و الناس لم يستحسنوا كتابه في ملوك المجوس نظم قصة يوسف و زليخا فأعجب بها الخليفة و أهل بغداد و زادوه إكراما.
فتحسر الفردوسى و غشى عليه فحمل إلى داره فاذا هو ميت. و بينا يسار بالشاعر إلى قبره جاءت صلة السلطان محمود.
عرضت العطية على ابنته فلم تقبلها، و قالت أخته: إن أخى كان يود أن يبنى سدّ طوس بالحجر و الحديد ليبقى ذكرا له فأنفِقوا المال في هذا. ففعلوا. و يسمى هذا السدّ سدّ عائشة فرّخ ، و آثاره باقية. و ذكر ناصر خسرو في كتابه سفرنامه أنه في سنة 438 مر بطوس فرأى رباطا كبيرا حديث البناء فسأل فقيل: إنه بنى من صلة السلطان محمود للفردوسى. و قيل: إن السلطان لما علم أن الفردوسى مات، و أن وارثه لم يقبل المال أمر أن يبنى به عمارة. دفن الفردوسى في بستان له في طوس.
العرب و الفردوسي :
يعتبر الفردوسي أكبر شاعر ملحمي فارس. ويعتبر كذلك من قادة الحركة الشعوبية القائلة بتفضيل الفرس وذم العرب. حيث قام وزير السلطان محمود الغزنوي (أبو العباس الفضل بن أحمد الاسفرايني) بتكليف الفردوسي بكتابة قصائد شعرية يمجد فيها تاريخ فارس وحضارتها ويشتم فيها العرب وحضارتهم الإسلامية ويحط من شأنهم، وقد تعهد له بأن يعطيه وزن ما يكتبه ذهبا. وعلى هذا الأساس وضع الفردوسي ملحمته وأسماها الشاهنامه (ملك الكتب) ووضع جلها في شتم العرب وتحقيرهم وتمجيد الفرس وملوكهم
تعتبر الشاهنامه من مراجع اللغة الفارسية الحديثة، وأساس الفكر القومي الفارسي. يقول المستشرق الانجليزي كوويل (cowell) في الشاهنامه: «الفردوسي وجد بلده تقريباً بدون أدب، فسلّم إليه الشاهنامه التي لم يستطع الادباء من بعده سوي تقليدها، دون أن يتفوق أحد عليها». وهي في الأصل عدة كتب كتبها أدباء فرس مختلفون في عدة عصور، جمعوا جميع الأساطير الفارسية القديمة. وقام الفردوسي بجمع ما في تلك الكتب في قصيدة طويلة. وأكثر الباحثين الإيرانيين يرون ذلك الكتب أهم موسوعة عن الفرس قبل الإسلام. فيقول رستم عليوف: «الشاهنامه موسوعه تتحدث عن ثقافه الشعب الايراني و علمه و فنه و تاريخه القديم، و نحن بحاجه إلى سنوات مديدة من البحث و الدراسة حتي يمكن فهم و ادراك عمق الكتاب الكبير»وعلى النقيض يرى بعض الباحثين الإيرانيين(مثل أحمد شاملو أعظم الشعراء الفرس المعاصرين) عكس ذلك.
آراء ناصر بوربيرار بالفردوسي :
فالكتاب لا يعدو كونه مجموعة لأساطير حيكت من قبل شعوبيين بتحريض بعض الحكام لأغراض سياسية، ولذلك لا يمكن اعتبارها أساساً لتاريخ إيران قبل الإسلام. يقول الباحث الفارسي ناصر بوربيرار: «هناك أدلة جلية جداً تقول أنه كانت توجد مجموعة لكتابة الشاهنامة انشغَلَت بهذا الامر لمدة 40 سنة. فقد بدأوا في عهد الساسانيين واستمر الأمر حتى عهد السلطان محمود الغزنوي. وقد انشد الشاعر دقيقي قسما من الشاهنامة. ونحن نعلم أن 6 اشخاص كانوا منشغلين بانشاد الشاهنامة في نفس الفترة وفي منطقة محددة من خراسان، فهؤلاء هم اصحاب الشاهنامة وليس الشاعر فردوسي الذي كان يتلقي راتبه من الشعوبيين لينشد شعرا يلبي اميالهم ونزعاتهم وقصصهم وامالهم واهدافهم. الفردوسي ليس الا منشدا للشاهنامة وان فكرتها تتعلق بمجموعة سياسية هي الشعوبية. وقد ذكرت كل هذه الوثائق نقلا عن الفردوسي نفسه، فهو يؤكد في مقدمة كافة قصصه انها لا تمثل رأيه وان فلانا وفلانا ذكر لي القصة لانشدها، شعرا حيث يأسف احيانا لبعض النصوص ويعرب عن تقززه لها ويتبرأ منها».
أما لماذا قام الفردوسي هذا العمل؟ فيقول بوربيرار «لأن الفردوسي كان يرتزق من انشاد الشعر، وعندما انتهي من انشاد الشاهنامة تزامن ذلك مع سحق الحركة الشعوبية وقمعها حيث لم يكن أحد ليدفع له اجرة كتابة الشاهنامة ويعبر عن ندمه لما قام به من عمل ويوجه السب والشتم للذين كلفوه بانشاد الشاهنامة لانه اخذ يعاني من ضيق العيش، وهو يتحدث بصراحة عن النقود التي لم تدفع له ازاء كتابة الشاهنامة.
و سمع فردوسي أن الدقيقى الشاعر كان ينظم الشاهنامه و قتل، و أن السلطان محمودا يود أن يُنظم الكتاب. و كان الفردوسى يتطلع إلى نظمه و يطمح إلى بلوغ أمله من بناء مجرى الماء. فصح عزمه حينئذ على الاضطلاع بالعبء الباهظ. و لم يكن لديه كتاب الملوك كله فاستشار صديقا له اسمه محمد لشكرى فرغبه و حرضه على ما تصدّى له، و أخبره أن لديه الكتاب كاملا. فذهب الشاعر يستمدّ الشيخ محمدا معشوقا أحد أولياء طوس فبشره بأنه سيبلغ ما يريد. و وثق الفردوسى ببشارة الشيخ.
و بدأ الفردوسى فنظم حرب فريدون و الضحاك فأولع الناس بنظمه. و كان أو منصور و إلى طوس من قبَل السلطان. فلما سمع شعر الفردوسى أمره بالمضى في علمه، و التزم له بحاجاته. ثم مات أبو منصور فوهن الفردوسى. و مرثية أبى منصور في مقدّمة الشاهنامه، بعد ذكر محمد لشكرى.
و أرسل السلطان بعد أبى منصور أرسلان خان واليا على طوس. و كان السلطان قد سمع بالفردوسى فأمر أرسلان خان بإشخاصه إلى غزنة، فاعتذر الفردوسى، و استعفى فلم يجده ذلك. ثم تذكر قصة الشيخ معشوق فعزم على الاجابة. حتى اذا بلغ هراة أتاه من غزنين خبر ساءه فتوقف هنالك ذلك أن بديع الدين صاحب ديوان الرسائل قال للعنصرى و الرودكى! أن قدوم الفردوسى و اضطلاعه بنظم الكتاب يغضّ من شعراء السلطان.
فأرسلا إلى الفردوسى أنه لا فائدة في قدومه، فان السلطان لا يذكره قط. فتردّد الفردوسى ثم خاف أن تكون خدعة فتلبث أياما في دار أبى بكر الوراق. ثم كان بين العنصرى و بديع الدين مشاقة فقال العنصرى لصاحبه: أنت رددت الفردوسى عن غزنة. و خشى بديع الدين مؤاخذة السلطان فأرسل إلى الفردوسى أن الرسالة الأولى كانت من حسد العنصرى و الرودكى. فان كان يستطيع أن يجاريهما في مضمار البلاغة فليحضر. فكتب في الرسالة أبياتا يعتد فيها بنفسه و يذكر أن العنصرى و الرودكى لا خطر لهما عنده. ثم سار من هراة إلى غزنة.
و أمر السلطان الميمندى الوزير أن يعطيه ألف مثقال ذهب كلما نظم ألف بيت. و كان الفردوسى لا يأخذ المال يبغى أن يدخره لبناء سدّ طوس، كما تقدّم .
أكمل الفردوسى الشاهنامه، و سلمها إلى أياز فعرضها على السلطان فاستحسنها و أمر أن يعطى حمل فيل ذهبا. فقال الميمندى للسلطان: إنى أخشى أن يقتله الفرح إذا منح هذا المقدار. و قال آخر: حرام أن يعطى شاعر فردستون ألف مثقال ذهب. حسبه مثلها فضة. فأمر السلطان أن يعطى 60 ألف مثقال فضة. و أرسلها الميمندى مع أياز. و كان الفردوسى إذ ذاك في الحمام.
فلما رأى الفضة قال: ما بهذا أمر السلطان. فأخبره أياز بما كان بين السلطان و الميمندى. فغضب الفردوسى و قسم المال أثلاثا بين أياز و الحمامىّ و فقاعىّ شرب من عنده شربة فُقّاع . ثم قال لأياز:أبلغ السلطان أنى ما تحملت هذا العناء للدرهم و الدينار و لكن للثناء الحسن و الذكر الخالد.
غضب السلطان على الميمندى و قال: عرّضت عِرضى لألسنة الشعراء. قال الميمندى: إن منحة السلطان تشريف كثرت أم قلت. و لو أرسلت اليه قبضة من تراب لوجب أن يقبلها و يكتحل بها. فثارت ثورة السلطان و قال: لأرمينّ هذا القرمطى تحت أرجل الفيلة غدا. و أجعله عظة لسيئ الأدب.
خاف الفردوسى و تحير فلما خرج السلطان في الصباح إلى المتوضأ ارتمى على قديمه و قال: إن الحاسدين قرفونى عند السلطان بما أنا منه براء. و اعتذر عما فعل بعطية السلطان و قال: هبنى واحدا من المجوس أو اليهود و النصارى الذين في مملكت.
رضي السلطان و عاد الفردوسى إلى مسكنه فأحرق بضعة آلاف بيت في مسوداته. ثم ذهب إلى المسجد الجامع و كتب على الجدار عند مجلس السلطان بيتين معنا هما أن حضرة السلطان كالبحر الذى لا قرار له. فان غصت فيه فلم أظفر باللآلئ فذاك ذنبى لا ذنب البحر.
و أعطى أيازا كتابا و أوصاه أن يسلمه للسلطان بعد 20 يوما ثم ودّع أيازا و خرج راجلا ليس معه من زاد السفر و متاعه شيء. و خاف الناس أن يزوّدوه للسفر و لكن أيازا أرسل وراءه الزاد خفية. و بعد عشرين يوما قدم أياز الكتاب للسلطان فاذا فيه الهجاء المشهور( فغضب السلطان و أمر بتعقبه، و جعل 50 ألف در هم لمن يأتيه به. و لكنه فات جهد الطالبين).
شاع أمر الفردوسى، و ألم الناس لما أصابه. و بلغ الخبر قهستان .و كان و اليها ناصر لك معجبا بالفردوسى فأرسل جماعة من خواصه فجاءوا به إلى قهستان فأكرمه. و كان الفردوسى يريد أن يهجو السلطان فاحتال ناصر حتى عدل به عن الهجاء و أعطاه مائة ألف در هم. و سكنت ثائرة الفردوسى فندم على الأبيات التى أنشأها.
ثم كتب ناصر إلى السلطان يعجب من حرمان شاعر كالفردوسى بعد تحمله هذا العناء. و يبين للسلطان فقر الشاعر و احتياجه.
بلغ كتاب ناصر يوم الجمعة. و كان السلطان لم يذهب إلى الجامع منذ خرج الفردوسى من غزنة الا ذلك اليوم فقرأ على جدار المسجد البيتين اللذين كتبهما الفردوسى ثم رجع إلى قصره فاذا كتاب ناصر. و اغتنم الفرصة جماعة من مقرّبى السلطان، و المعجبين بالشاعر فندم السلطان و غضب على من أشار عليه بالذى فعل، و عنف الميمندى و قتله.
هرب الفردوسى إلى مازندران،و أصلح الشاهنامه و ألحق بها مديح و إلى مازندران و كان إذ ذاك من أبناء شمس المعالى قابوس بن وشمكير بن منوچهر بن شمس المعالى و ابنه صهر السلطان، و هو ابن بنت مرزبان بن رستم بن شروين مؤلف مرزبان نامه. و كان من الشيعة فسرّ الوالى به و بالغ في إكرامه، و أراد أن يمسكه عنده لولا خوف السلطان محمود. فوصله و اعتذر اليه و أمره بالرحيل.
فتوجه تلقاء بغداد و بقى فيها أياما حتى لقيه بعض أصدقائه من التجار فوعده أن يبلغه حضرة الخليفة.ثم اتصل الفردوسى بالوزير و مدحه بقصيدة عربية بليغة فأعجب به الوزير و أنزله في داره و منّاه مكانة عند الخليفة. ثم رفع أمره إلى الخليفة فأمر باحضاره و إكرامه فنظم في مدحه ألف بيت. فلما أقام ببغداد و علم أن الخليفة و الناس لم يستحسنوا كتابه في ملوك المجوس نظم قصة يوسف و زليخا فأعجب بها الخليفة و أهل بغداد و زادوه إكراما.
فتحسر الفردوسى و غشى عليه فحمل إلى داره فاذا هو ميت. و بينا يسار بالشاعر إلى قبره جاءت صلة السلطان محمود.
عرضت العطية على ابنته فلم تقبلها، و قالت أخته: إن أخى كان يود أن يبنى سدّ طوس بالحجر و الحديد ليبقى ذكرا له فأنفِقوا المال في هذا. ففعلوا. و يسمى هذا السدّ سدّ عائشة فرّخ ، و آثاره باقية. و ذكر ناصر خسرو في كتابه سفرنامه أنه في سنة 438 مر بطوس فرأى رباطا كبيرا حديث البناء فسأل فقيل: إنه بنى من صلة السلطان محمود للفردوسى. و قيل: إن السلطان لما علم أن الفردوسى مات، و أن وارثه لم يقبل المال أمر أن يبنى به عمارة. دفن الفردوسى في بستان له في طوس.
العرب و الفردوسي :
يعتبر الفردوسي أكبر شاعر ملحمي فارس. ويعتبر كذلك من قادة الحركة الشعوبية القائلة بتفضيل الفرس وذم العرب. حيث قام وزير السلطان محمود الغزنوي (أبو العباس الفضل بن أحمد الاسفرايني) بتكليف الفردوسي بكتابة قصائد شعرية يمجد فيها تاريخ فارس وحضارتها ويشتم فيها العرب وحضارتهم الإسلامية ويحط من شأنهم، وقد تعهد له بأن يعطيه وزن ما يكتبه ذهبا. وعلى هذا الأساس وضع الفردوسي ملحمته وأسماها الشاهنامه (ملك الكتب) ووضع جلها في شتم العرب وتحقيرهم وتمجيد الفرس وملوكهم
تعتبر الشاهنامه من مراجع اللغة الفارسية الحديثة، وأساس الفكر القومي الفارسي. يقول المستشرق الانجليزي كوويل (cowell) في الشاهنامه: «الفردوسي وجد بلده تقريباً بدون أدب، فسلّم إليه الشاهنامه التي لم يستطع الادباء من بعده سوي تقليدها، دون أن يتفوق أحد عليها». وهي في الأصل عدة كتب كتبها أدباء فرس مختلفون في عدة عصور، جمعوا جميع الأساطير الفارسية القديمة. وقام الفردوسي بجمع ما في تلك الكتب في قصيدة طويلة. وأكثر الباحثين الإيرانيين يرون ذلك الكتب أهم موسوعة عن الفرس قبل الإسلام. فيقول رستم عليوف: «الشاهنامه موسوعه تتحدث عن ثقافه الشعب الايراني و علمه و فنه و تاريخه القديم، و نحن بحاجه إلى سنوات مديدة من البحث و الدراسة حتي يمكن فهم و ادراك عمق الكتاب الكبير»وعلى النقيض يرى بعض الباحثين الإيرانيين(مثل أحمد شاملو أعظم الشعراء الفرس المعاصرين) عكس ذلك.
آراء ناصر بوربيرار بالفردوسي :
فالكتاب لا يعدو كونه مجموعة لأساطير حيكت من قبل شعوبيين بتحريض بعض الحكام لأغراض سياسية، ولذلك لا يمكن اعتبارها أساساً لتاريخ إيران قبل الإسلام. يقول الباحث الفارسي ناصر بوربيرار: «هناك أدلة جلية جداً تقول أنه كانت توجد مجموعة لكتابة الشاهنامة انشغَلَت بهذا الامر لمدة 40 سنة. فقد بدأوا في عهد الساسانيين واستمر الأمر حتى عهد السلطان محمود الغزنوي. وقد انشد الشاعر دقيقي قسما من الشاهنامة. ونحن نعلم أن 6 اشخاص كانوا منشغلين بانشاد الشاهنامة في نفس الفترة وفي منطقة محددة من خراسان، فهؤلاء هم اصحاب الشاهنامة وليس الشاعر فردوسي الذي كان يتلقي راتبه من الشعوبيين لينشد شعرا يلبي اميالهم ونزعاتهم وقصصهم وامالهم واهدافهم. الفردوسي ليس الا منشدا للشاهنامة وان فكرتها تتعلق بمجموعة سياسية هي الشعوبية. وقد ذكرت كل هذه الوثائق نقلا عن الفردوسي نفسه، فهو يؤكد في مقدمة كافة قصصه انها لا تمثل رأيه وان فلانا وفلانا ذكر لي القصة لانشدها، شعرا حيث يأسف احيانا لبعض النصوص ويعرب عن تقززه لها ويتبرأ منها».
أما لماذا قام الفردوسي هذا العمل؟ فيقول بوربيرار «لأن الفردوسي كان يرتزق من انشاد الشعر، وعندما انتهي من انشاد الشاهنامة تزامن ذلك مع سحق الحركة الشعوبية وقمعها حيث لم يكن أحد ليدفع له اجرة كتابة الشاهنامة ويعبر عن ندمه لما قام به من عمل ويوجه السب والشتم للذين كلفوه بانشاد الشاهنامة لانه اخذ يعاني من ضيق العيش، وهو يتحدث بصراحة عن النقود التي لم تدفع له ازاء كتابة الشاهنامة.
ناصر بوربيرار , من هو ؟
ناصر بوربيرار (بالفارسية: ناصر پورپيرار) هو كاتب إيراني معاصر وهو من اكبر المفكرين الايرانين انتقادا للشعوبية الايرانية الحالية والتي تتمثل بالهجوم على كل ما هو عربي .
حياته : ولد عام 1940، ودرس العربية في مدرسة الجعفرية في طهران. بدأ نشاطه السياسي عام 1961، حيث كان من الإسلاميين المعارضين لحكم الشاه. تعاون مع حزب تودة، لكن بعد ثورة الخميني انقلب عليه لأنه اتضح له (على حد قوله) بأنهم مجموعة غير وطنية. مما أدلى لمحاولة فاشلة لاغتياله. وساهم كمستجوب بالمحاكم الثورية الإسلامية. ثم عمل في برنامج حكومي تلفازي ثقافي يركز على الهوية الإسلامية لإيران (هويت صدا و سيما). وعمل كذلك في مراجعة صحيفة كيهان.
أفكاره:
يُعد هذا المفكر الفارسي استثناء في قاعدة الباحثين الإيرانيين حيث شذ عن الخطاب الفارسي المهيمن لمدة أكثر من قرن على الساحة الفكرية المعاصرة في إيران باطروحاته الجديدة حول تاريخ إيران. وإن لم يكن الوحيد الذي يتبنى تلك الأفكار، حيث أيدها بعضها كذلك بعض المفكرين المعاصرين مثل علي شهباز ومحمود أحمدي نجاد وعلي لاريجاني.
بالنظر إلى تاريخ إيران قبل الإسلام، فهو يعتمد ويركز على النقوش الحجرية التي كتبت في تلك الفترة، كمصدر معتمد. بينما يرفض الوثائق التي انتجت بعد قرون من دخول الإسلام، مثل الشاهنامة، حيث يعتبرها أساطير شعوبية حيكت من أجل مواجهة العرب والاسلام.
يرى أن لليهود دوراً كبيراً في صياغة التاريخ الإيراني. فهم الذين أتوا بقوروش الأخميني لينتقم لهم من بابل التي سبتهم. كما كان لهم دور في إنشاء الحركة الشعوبية في خراسان، وفي حياكة الأساطير عن أمجاد الفرس قبل الإسلام. ويرى أن علماء الآثار والمستشرقون اليهود قاموا بتهويل منزلة الحضارة الفارسية قبل الإسلام خلافاً لحقيقتهم في التاريخ، لتعميق الهوة بين الإيرانيين والعرب. حيث أن 90% من مؤرخي التاريخ الإيراني هم من اليهود، مثل غيريشمن و داريشتيد و اشكولر.
يرى أن الحضارة الفارسية بلغت أوجها تحت الحكم الإسلامي وليس قبله. وهذا يشاركه فيه كثير من مفكري الثورة الإسلامية في إيران.
خلافاً للفكر القومي الفارسي، ينتقد الفكر الشعوبي المعادي للعرب، ويشعر بالأسف لاستحالة تغيير اللغة الرسمية لإيران إلى لغة القرآن، حيث أن هذا لن يمكّن إيران من أن تصبح رئيسة للاتحاد الإسلامي الذي يأمله.
كتبه:
له ثلاثة كتب صدرت مؤخراً وأحدثت ضجة هائلة في إيران، حتى أن أول كتاب طبع ثلاثة مرات خلال بضعة أشهر. بسبب توجهه الإسلامي الرافض للشعوبية، تعرض لهجوم شديد من القوميين الفرس وتهديدات بالقتل (هو أمر جدي في إيران). أشهر كتابه له هو كتاب "12 قرنا من السكوت". وهو يعني السكوت الحضاري خلال حكم الأخمينيين والاشكانيين والساسانيين لإيران الذي استمر 12 قرناً قبل الاسلام. وكذلك كتاب "برج إلى الماضي".
حياته : ولد عام 1940، ودرس العربية في مدرسة الجعفرية في طهران. بدأ نشاطه السياسي عام 1961، حيث كان من الإسلاميين المعارضين لحكم الشاه. تعاون مع حزب تودة، لكن بعد ثورة الخميني انقلب عليه لأنه اتضح له (على حد قوله) بأنهم مجموعة غير وطنية. مما أدلى لمحاولة فاشلة لاغتياله. وساهم كمستجوب بالمحاكم الثورية الإسلامية. ثم عمل في برنامج حكومي تلفازي ثقافي يركز على الهوية الإسلامية لإيران (هويت صدا و سيما). وعمل كذلك في مراجعة صحيفة كيهان.
أفكاره:
يُعد هذا المفكر الفارسي استثناء في قاعدة الباحثين الإيرانيين حيث شذ عن الخطاب الفارسي المهيمن لمدة أكثر من قرن على الساحة الفكرية المعاصرة في إيران باطروحاته الجديدة حول تاريخ إيران. وإن لم يكن الوحيد الذي يتبنى تلك الأفكار، حيث أيدها بعضها كذلك بعض المفكرين المعاصرين مثل علي شهباز ومحمود أحمدي نجاد وعلي لاريجاني.
بالنظر إلى تاريخ إيران قبل الإسلام، فهو يعتمد ويركز على النقوش الحجرية التي كتبت في تلك الفترة، كمصدر معتمد. بينما يرفض الوثائق التي انتجت بعد قرون من دخول الإسلام، مثل الشاهنامة، حيث يعتبرها أساطير شعوبية حيكت من أجل مواجهة العرب والاسلام.
يرى أن لليهود دوراً كبيراً في صياغة التاريخ الإيراني. فهم الذين أتوا بقوروش الأخميني لينتقم لهم من بابل التي سبتهم. كما كان لهم دور في إنشاء الحركة الشعوبية في خراسان، وفي حياكة الأساطير عن أمجاد الفرس قبل الإسلام. ويرى أن علماء الآثار والمستشرقون اليهود قاموا بتهويل منزلة الحضارة الفارسية قبل الإسلام خلافاً لحقيقتهم في التاريخ، لتعميق الهوة بين الإيرانيين والعرب. حيث أن 90% من مؤرخي التاريخ الإيراني هم من اليهود، مثل غيريشمن و داريشتيد و اشكولر.
يرى أن الحضارة الفارسية بلغت أوجها تحت الحكم الإسلامي وليس قبله. وهذا يشاركه فيه كثير من مفكري الثورة الإسلامية في إيران.
خلافاً للفكر القومي الفارسي، ينتقد الفكر الشعوبي المعادي للعرب، ويشعر بالأسف لاستحالة تغيير اللغة الرسمية لإيران إلى لغة القرآن، حيث أن هذا لن يمكّن إيران من أن تصبح رئيسة للاتحاد الإسلامي الذي يأمله.
كتبه:
له ثلاثة كتب صدرت مؤخراً وأحدثت ضجة هائلة في إيران، حتى أن أول كتاب طبع ثلاثة مرات خلال بضعة أشهر. بسبب توجهه الإسلامي الرافض للشعوبية، تعرض لهجوم شديد من القوميين الفرس وتهديدات بالقتل (هو أمر جدي في إيران). أشهر كتابه له هو كتاب "12 قرنا من السكوت". وهو يعني السكوت الحضاري خلال حكم الأخمينيين والاشكانيين والساسانيين لإيران الذي استمر 12 قرناً قبل الاسلام. وكذلك كتاب "برج إلى الماضي".
العرب والفرس: جدلية التقدير والكراهية / أمير طاهري
الشرق الأوسط / في الأسابيع القليلة الماضية، انتشر في المدونات الإيرانية نقاش حاد حول رسالتين قديمتين ولكن مصداقيتهما محل شك. الأولى مفروض أنها رسالة كتبها عمر بن الخطاب الخليفة الثاني للإسلام إلى يزدجرد الثالث، إمبراطور إيران، في القرن السابع الميلادي. وفيه يدعو الخليفة الإمبراطور إلي التخلي عن الزرادشتية واعتناق الإسلام لكي يتجنب الحرب في هذا العالم وجهنم في الحياة الأخرى.
والرسالة الثانية يفترض أنها رد يزدجرد، وهي ملخص محدود لجوهر قيم الإيرانيين قبل الإسلام.
وعلى الرغم من أن الرسالتين متوفرتان للعلماء منذ قرون عديدة فلم يتم التأكد من مصداقيتهما على الإطلاق.
ويعتقد بعض العلماء أن الرسالتين زورتا بعد فترة طويلة من دخول مؤلفيهما التاريخ. وواحدة من النظريات هي أن الرسالتين كتبتا في القرن العاشر الميلادي بعد وصول إيران إلى نقطة تحول، بعدما أصبحت دولة ذات أغلبية إسلامية.
والأمر اللافت للانتباه هو أن الرسالتين تعبران عن نفس القيم. والرسالتان تؤكدان أن الديانات التوحيدية هي الحقيقة الوحيدة المقبولة، وتؤكد على بعض القيم مثل العدالة والمساواة والاعتماد على الذات.
ويشعر القارئ بانطباع أن ما هو مطروح ليس قضية دينية بل هوية قومية. فيزدجرد يقول انه إذا كان اختبار الإيمان هو التوحيد والحياة الأخلاقية فإن الفرس قد دخلوه عقب ظهوره في التاريخ.
وتعكس الرسالتان بعض القلق التقليدي بالنسبة لمعظم الإيرانيين وانفصام الشخصية الذي تعاني منه إيران منذ دخلت الإسلام.
تعتز إيران بهويتها الإسلامية إلى حد الغرور أحيانا. ويؤمن الفرد الإيراني العادي بأن بلده يسهم في دعم الإسلام أكثر من أي دولة أخرى. ويذكر بعض الكتّاب الإيرانيون النحوي سيبويه والمعجمي روزبه كمثالين على الزعم القائل إن الفرس لعبوا دورا مهما في صياغة اللغة العربية. ومن النادر أن ينسى الإيرانيون حقيقة الأصل الفارسي لشعراء عرب كبار مثل أبو نواس ومهيار الديلمي والجواهري.
وبعد أن بدأ الإيرانيون باعتناق الإسلام برز عدد من الحكايات لتبرير هذا التحول.
واحداها تقول إن الحسين بن علي حفيد الرسول صلى الله عليه وسلم تزوج بيبي شهربانو الابنة الصغرى للإمبراطور يزدجرد وهذه كانت بداية الاختلاط بين الفرس والعرب الذي استمر مع الأئمة الشيعة اللاحقين. وهذا ما ساعد على تخفيف المشاعر المعادية للعرب بين الفرس.
وهناك جانب آخر في إيران يتمثل في الخوف من أن ينظر للشخص هناك بأنه عربي أو حتى معرب. إنه الخوف الناجم من المشاعر المعادية للعرب في الأدب الفارسي.
لكن هل الإيرانيون بشكل عام غير معادين للعرب؟
هذا السؤال كان موضع دراسة عدد كبير من الأكاديميين الأجانب والإيرانيين خلال حلقة دراسية نظمت في طهران في فبراير (شباط) الماضي. وعلى الرغم من أن معظم المشاركين أجابوا بالنفي فإن الحلقة الدراسية لم تحقق نتيجة قاطعة.
هناك صور مختلفة للعربي في الأدب الفارسي. إحداها هي أنه سلاب وجشع. والكلمة المستخدمة في الفارسية للعربي هي (تازي)، والتي تعني الغازي. وأكثر الصور السيئة في الأدب الفارسي هي (زاهاك) والتي تعني الحاكم القاسي الذي يصبح أداة للشيطان الذي ولد كعربي في القدس ثم دعاه ارستقراطيون فرس كي يصبح ملكا وأن ينهي الصراع بين السلالات الملكية الفارسية المتنازعة. لكن قسوة هذا الملك واجهتها ثورة قادها الحداد كاوة وتم سجن زاهناك عند قمة جبل دماوند في طهران.
وسيتأثر أي دارس لشاهنامة (كتاب الملوك) فردوسي بوصف آثام الضحاك.
والصورة الأخرى للعرب في الأدب الفارسي معاكسة. فهنا تشير كلمة العربي إلى الحكمة والتقوى والكرم والشجاعة. ويعتبر سعدي، وهو احد أعظم شعراء إيران، مثالا على العربفوبيا. وفي عمله الموسوم جلستان (حديقة الورود) غالبا ما يختتم بحجة تشير: كما يقول العرب.
والكثير من أبطاله مثل لقمان وشبلي وحاتم الطائي وذي النون المصري الذين يصورهم نماذج للإنسانية، هم من العرب.
وبغض النظر عن فردوسي وعدد قليل من الشعراء الصغار مثل سوزني من سمرقند وأثير الدين أخسيكتي، ممن عبروا عن مشاعر مناوئة للعرب، فان معظم الشعراء الكلاسيكيين الفرس كانت لديهم نظرة ايجابية إلى العرب. وحتى الأشعار المناوئة للعرب المنسوبة إلى فردوسي، كما أشار أحد المتحدثين في ندوة طهران، أضيفت إلى الشاهنامة من جانب آخرين.
وقد ألف شعراء عظام مثل نظامي وجامي قصائد سردية طويلة أبطالها من العرب. وأصبحت قيس وليلى ووامق وعذرا شخصيات مثالية بالنسبة لمعظم الإيرانيين.
وجادل أحد المتحدثين في ندوة طهران بأن الخوف من الأجانب دلالة على الارتياب في الذات. وهكذا فانه كلما كان الإيرانيون يشعرون بالثقة في هويتهم فإنهم لا يظهرون أية مشاعر مناوئة للعرب. وفقط عندما كانوا يشعرون بأن نزعتهم الفارسية تواجه تهديدا يبحثون عن «آخر» لكرهه. وحتى في هذه الحالة فان «الآخر» الذي كان الفرس يجدونه نادرا ما كان من العرب.
وكان الموضوع الغالب للكراهية هم الأتراك الذين يتماثلون مع الحرب والقسوة والمذابح والسلب في الأدب وكذلك في الفولكلور الفارسي.
وحكم العرب أجزاء من إيران لفترة تقرب 80 سنة، قبل أن يظهر أمراء محليون فرس في سجستان وخراسان. غير أن سلالات تركية مختلفة حكمت إيران لفترة زادت على ألف سنة. (وانتهت آخر سلالة تركية عام 1925)
ومع ذلك، ظل الترويج للمشاعر المعادية للعرب باستمرار أكثر سهولة من التشجيع على كراهية الاتراك، والسبب هو أن ربعا على الأقل من سكان إيران يتحدثون واحدة أو عدة لهجات تركية. وفي غالبية الحالات فقد هؤلاء الفرس لغتهم الأصلية وتبنوا لهجة تركية. لكنهم رغم ذلك يرتبطون في هويتهم بلغتهم وليس بأصلهم العرقي.
أدى هذا الواضع بدوره إلى صعوبة بالنسبة للإيرانيين في التعبير عن المشاعر المعادية للأتراك.
وكما أوضح سمنار طهران فقد جاء جزء كبير من المشاعر المعادية للعرب في إيران اليوم في القرن الماضي تقريبا بسبب ظهور القومية على غرار النمط الأوروبي الذي يؤكد أهمية مفاهيم الدم والأرض.
صدرت تركيا تحت حكم اتاتورك المشاعر المعادية للعرب إلى إيران عندما كانت تحت حكم رضا شاه بهلوي. ومثلما أمر اتاتورك بـ«تنقية» اللغة التركية من أكثر عدد ممكن من الكلمات العربية أنشأ رضا شاه أكاديمية لتطهير المفردات الفارسية من عناصرها العربية. وعلى مدى فترة عشر سنوات حلت مفردات تركية محل حوالي 5000 كلمة عربية استعير معظمها من نصوص مجهولة أو أوجدها أكاديميون.
وأصبح أحمد كسروي، وهو واحد من أعظم المفكرين في القرن العشرين، من مؤيدي التخلص من الأثر العربي إلى جانب كتاب بارزين آخرين مثل صادق هدايت وإبراهيم بورداود ومسعود فرزاد. وأصبح كتاب لعبد الحسين زرين كوب بعنوان «قرنان من الصمت» على أثر الهيمنة العربية من أكثر الكتب مبيعا خلال عقد الستينات من القرن الماضي.
في المقابل، لم تؤد الحرب العراقية ـ الإيرانية على مدى ثماني سنوات، ابتداء من مطلع عقد الثمانينات إلى زيادة في المشاعر المعادية للعرب في إيران. إلا أن نظام الخميني، خصوصا خلال فترة الرئيس محمود أحمدي نجاد، أتى بنموذجه الخاص بمعاداة العرب، وهو نموذج ينظر إلى العرب على أساس أنهم ليسوا «إسلاميين» بدرجة كافية.
العرب بعيون فارسية
العرب بعيون فارسية ل جهاد فاضل
لو عاد أحدنا إلى الأدب الفارسي القديم، وذروته "الشهنامة"، لوجد أن موقف الفرس من العرب موقف سلبي شديد السلبية. ولو أنه أراد أن يقارن بين هذا الموقف القديم والموقف الحديث، استناداً إلى الأدب السائد في إيران، لوجد أن الموقف الإيراني من العرب، شعباً وتاريخاً ومقومات، هو ذاته لا يحول ولا يزول. "فالبدو المتوحشون الذين يطاردون السحالي في الصحراء"، وهي بعض أوصافهم للعرب، دمّروا الحضارة الفارسية، وفرضوا على الفرس ديناً غريباً عنهم. هذا الدين، أي الإسلام الذي أضاء العالم أكثر من ألف سنة، هو سبب تخلف إيران. وقد دمّر العرب الهوية الثقافية الإيرانية، ولم يُؤذ أحد إيران كما أذاها العرب. وفي مسرحية "بروين ابنة ساسان" نتعرف إلى صورة نموذجية للعرب رسمها حديثاً الكاتب الايراني هوايت "للجيش العربي العدو" المتعطش للدماء: "أنتم لا تعرفون ما يفعلون (أي العرب). عليكم أن تروا ذلك. هي ليست حرباً، بل سفك دماء. فهم يتقدمون ويقتلون، عندما قطعوا كل الرؤوس، واصطبغت سيوفهم بأحمر الدم (يقصد جنود الفتح) جاؤوا بالنار وجعلوا يحرقون. دمروا البيوت، سبوا النساء. سويت مدننا بالأرض، وباتت أرضاً يباباً، وتصاعد الدخان من الدمار. وتدفقت الدماء إنهاراً"!
على أن هذا المسرحي الايراني المعاصر، هوايت، ليس أفضل، في نظرته إلى الفاتحين العرب، من نظرة كبار الأدباء في التراث الفارسي القديم. "فالشنهامة"، ملحمة الفردوسي الشهيرة، تنتهي صفحاتها بقدوم العرب المسلمين والقضاء على إيران الساسانية واحتلالها. وقد تم تصوير العرب فيها على أنهم أقل مدنية من الفرس. فها هو رستم قائد الجيش الفارسي يرسل رسالة إلى سعد قائد الجيش العربي يقول فيها: "على من تنشد الانتصار أيها القائد العاري لجيش عارٍ؟ رغيف خبز يشبعك ورغم ذلك تبقى جائعا. ليس عندك فَيلة ولا منابر ولا مؤن ولا تجهيزات. إن وجودك فقط في إيران يكفيك من حليب النوق والسحالي، جاء العرب إلى هنا طامحين لعرش. أليس في وجوهكم حياء"؟
ويحزن الفردوسي في نص آخر في الشنهامة لأن الفرس الساسانيين سيهزمون. يحزن على المستقبل حيث سيزدهر العرب وتسود روح الشر: عندما يصبح المنبر نداً للعرش، لن يكون هناك من أسماء سوى عمر وأبي بكر، وكل جهودنا ستكون باءت بالفشل: لا عرشاً ولا تاجاً ولن تبقى هناك مدينة فتحكي النجوم أن لا رابح سوى العرب".
ومرة أخرى تظهر صورة العربي البائس غير المتمدن، مقابل الإيراني المتنعم في كتاب "سفر نامة" لناصر خسرو، وهو عمل أدبي كلاسيكي ظهر في القرن الحادي عشر. وفيه يصف العرب الذي رأسهم في أثناء عودته من مكة "باللصوص والمجرمين الذين يتقاتلون فيما بينهم. وقد أخبرني أحد رجال القبائل أنهم في حياتهم كلها لم يشربوا سوى حليب النوق. لقد كانوا جوعى، جاهلين وعراة. وكل من جاء ليصلّي، كان يأتي بسيفه وبترسه وكأن ذلك أمر طبيعي"!
هذه هي صورة العرب في الأدب الفارسي القديم، أما صورتهم في الأدب الفارسي الحديث، فقد تكفلت باحثة أجنبية تُدعى "جويا بلندل" في تقديمها في كتاب جديد صدر هذا الأسبوع في بيروت ودمشق عن دار قدسي عنوانه (صورة العرب في الأدب الفارسي الحديث). الصورتان: القديمة والحديثة، متطابقتان من حيث خطوط العنصرية والعنجهية والتعالي على العرب وكراهيتهم. فإذا بدأنا بالفكر القومي الإيراني، وجدنا أن النُخب الإيرانية التي درس أكثرها في الغرب، تؤسس الوعي القومي الإيراني الذي ساد إيران في الربع الثاني والربع الثالث من القرن العشرين على عاملين اثنين: العامل الأول هو اللغة الفارسية، ولكن بعد تنقيتها من كل أثر للعربية فيها. أما العامل الثاني فهو تاريخ إيران ما قبل الإسلام.. وهذان العاملان وحدهما يدلان على ما في الوجدان الإيراني من سلبية تجاه العرب. وقد رافق هذه "السياسة القومية"، الاهتمام بالزرادشتية، واطلاق الأسماء الإيرانية البحتة التي اشتهرت خلال حقبتها، على المواليد الجدد.
وتعرض جويا بلندل لأعمال أدبية إيرانية حديثة بحثاً عن صورة العربي كما يرسمها أدباء إيران المحدثون، فلا تقع إلا على كل ما هو كاره للعرب، ومندد بهم، وبتدميرهم على الخصوص للحضارة الساسانية وإفقارهم للروح الإيرانية البحتة. فالإسلام دين غريب يعارض جوهر الثقافة والقيم الإيرانية الفارسية الحقة. وأحد هؤلاء الكتّاب أو المنظرين الإيرانيين، واسمه نادر بو، لا ينظر إلى الإسلام باعتباره معادياً للنزعة القومية الإيرانية الفارسية وللمدنية وحسب، بل هو يجادل أن هناك تناقضاً بين "أنا إيراني وروحي الإسلام"!
ويرى نادر بور "أن الشعب الإيراني، بأصوله وديانته القديمة ولغته الهندو/أوروبية، لم يكن ليعتنق الإسلام لو لم تنجح الأحداث التاريخية في أسر روحه وفتنه لأنه كان لهذا الشعب وطنيته وتراثه. إن تحليلاً معمقاً لتلك العناصر يقودنا إلى هذه النتيجة وهي أن الأدب الفارسي، منذ نهضته بعد الفتح العربي، وحتى يومنا الحاضر، ومع المظاهر الإسلامية، ليس إلا رمزاً من الصراع الدائم بين روح الدين والروح الإيرانية. فالثورات المتتالية ليست إلا الصورة المقلوبة لوجه الميدالية الواحد: ألا وهو التكفير في خطيئة"!
ويتضح مما يقوله نادر بور أنه يعود الفضل في اعتناق إيران للإسلام إلى "جملة أحداث تاريخية" تمكنت من أسر روح الشعب الإيراني. ومع ذلك فإن الإسلام لم ينجح في التغلغل إلى ثنايا هذه الروح بدليل الثورات المتتالية بوجهها.
وحتى عندما اعتنقت إيران الإسلام الشيعي، كما تلاحظ الباحثة الأجنبية في بعض صفحات الكتاب (صفحة 31/30وما بعدها) فقد صبغته بصباغ إيراني. فقد أضفوا عليه من العناصر الفارسية ما نأى به عن التشيع بصورته ومظاهره العربية المعروفة. صحيح أن الإمام علي - كرم الله وجهه - مازال عربياً ولم يتحول إلى فارسي، إلا أن الفرس "أسقطوا على نحو واضح بعضاً من صورتهم الذاتية المثالية عليه". ويقول الكاتب الإيراني دوراج "إن أصول علي العربية ليست موضع نقاش اطلاقاً. ولكن الرسومات واللوحات في إيران تصور الإمام علي إيرانياً وسيماً".
وتثير الباحثة مسألة حساسة تتصل بالعلاقة بين العرب والإسلام من جهة، وبين الإسلام الشيعي والإيرانية. فتقول: "لقد تمت أسلمة إيران. وفي عيون بعض الإيرانيين، الإسلام في جوهره عربي. لذا فهو غير إيراني. وهناك آخرون يرون أن الإسلام الشيعي هو إسلام مؤيرن (أو إيراني). وهو في صميمه إيراني. ويشكل جزءاً أساسياً في مفهوم الإيرنة". وتستمر الباحثة في دراستها تعرض النماذج من أدب الفرس المحدثين في نظرتهم العنصرية إلى العرب، ومن اطرف ما ذكرته عن الخيّام، صاحب الرباعيات الشهيرة، أنه بدوره كان يكره العرب. ففي مقدمته "رباعيات الخيام" باللغة الفارسية، يقول "هدايت": من ضحكاته الغاضبة، وإلماحاته إلى ماضي إيران، يتضح أنه كان يكره أولئك العرب قطاع الطرق، ويحتقر أفكارهم السوقية من أعماق قلبه" (ص51) في حين أن الخيّام لم يكن كذلك أبداً، بل كان من المنتفعين بتراث العرب الأدبي، وبخاصة بتراث أبي العلاء المعري. ولكن الباحث "هدايت" يريد قسراً أن يجعله كذلك.
ربما من أجل كل هذا التراث العنصري ضد العرب، لا يدخل باحثون ومؤرخون معاصرون، إيران في عداد الدول التي تميزت بخدمة الإسلام والنضال في سبيله عبر التاريخ، كالعرب والترك على سبيل المثال. وربما كان من الملحّ قيام حوار في العمق بين نُخب إيرانية ونُخب عربية. فما بين الشعبين الجارين من الأواصر والصلات ما يستحق أن يناقشه العقل، لا المشاعر الهائجة!
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)